بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله
من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل
فلا هادي له وأشهد
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبد الله
ورسوله صلى الله عليه
وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم إلى يوم الدين بإحسان وسلم تسليماً
كثيراً.
أما
بعد, فيا أيها الإخوة الأحبة الكرام السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته.
عنوان
درسنا هو " الكفر بالطاغوت " وهو يدور حول الآية التي ذكرنا في
الدرس
الماضي وهي قوله تعالى:" فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك
بالعروة الوثقى"
وهي في آية من سورة البقرة قال الله تعالى:" لا إكراه في الدين قد
تبين الرشد من
الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا
انفصام لها والله
سميع عليم" قال الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في قوله
سبحانه " لا إكراه
في الدين " أي لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام فإنه بين
واضح جلي دلائله
وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه بل من هداه الله
للإسلام وشرح
صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة ... إلى آخر كلامه رحمه الله.
إذاً,
المسلمون لا يكرهون أحداً على الدخول في الإسلام ولا على اعتناقه
وإن كان لا بد أن
يخضع لحكم الله تعالى ويبذل الجزية فإن لم يفعل وجب قتاله حتى إما
أن يسلم أو يبذل
الجزية صاغراً " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا
يحرمون ما حرم
الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطُوا
الجزية عن يد
وهو صاغرون" وذلك كله أيها الأحبة بعد الدعوة إلى الإسلام.
"
قد تبين الرشد
من الغي " أي قد تميز الإيمان من الكفر ووضح الحق من الباطل والهدى
من الضلال. فمن
نظر بعين العدل والإنصاف وقصد الحق ظهر له أن الإسلام هو الرشد
والحق والهدى فأسلم
واهتدى بخلاف من اتبع الهوى ولم يرد الحق ولا اتباعه بل آثر الحياة
الدنيا.
ثم قال الله تعالى:" فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك
بالعروة
الوثقى" العروة: طرف الحبل إذا رُبط على هيئة حلقة يمسك بها من ينزل
في بئر أو يصعد
منها. فهي وسيلة النجاة. والوثقى شديدة الربط لا أوثق منها. والمراد
بالعروة الوثقى
هنا: قيل: الإسلام وقيل: القرآن وقيل: لا إله إلا الله. وكلها أقوال
صحيحة متلازمة
ولا تنافي بينها. فالمراد أنه استمسك من الدين بأقوى سبب وشبه ذلك
بالعروة القوية
التي لا تنفصل فهي في نفسها محكمة مبرمة قوية وربطها قوي شديد. قال
قيس بن عبادة:
كنت في المسجد فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع, فصلى ركعتين أوجز
فيهما فقال القوم:
هذا رجل من أهل الجنة فلما خرج اتبعته حتى بلغ منزله فدخلت معه
فحدثته فلما استأنس
قلت إن القوم لما دخلت المسجد قالوا كذا وكذا. قال: سبحان الله, ما
ينبغي لأحد أن
يقول ما لا يعلم وسأحدثك لم ؟ إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى
الله عليه وسلم
فقصصتها عليه. رأيت كأني في روضة خضراء. قال ابن عون وهو من أحد
الرواة: فذكر من
خضرتها وسعتها وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء في
أعلاه عروة فقيل
لي اصعد عليه فقلت لا أستطيع فجاء منصف قال ابن عون هو الوصيف أي
الخادم فرفع ثيابي
من خلفي فقال اصعد فصعدت حتى أخذت بالعروة فقال: استمسك بالعروة.
فاستيقظت وإنها
لفي يدي. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه فقال:
أما الروضة فروضة
الإسلام وأما العمود فعمود الإسلام. وأما العروة فهي العروة الوثقى.
أنت على
الإسلام حتى تموت. قال: وهو عبد الله بن سلام رضي الله عنه. والحديث
في
الصحيحين.
أما قوله تعالى:" فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله " فهو موضوعنا.
والحديث أيها الأحبة في هذه المسألة العظيمة يستلزم معرفة معنى
الطاغوت ومعنى الكفر
به. أما الطاغوت في أصل اللغة فقال أبو الحسين ابن فارس رحمه الله
في معجم مقاييس
اللغة عند مادة طغا: الطاء والغين والحرف المعتل أصل صحيح منقاس وهو
مجاوزة الحد في
العصيان. يقال: هو طاغ. وطغى السيل إذا جاء بماء كثير قال الله
تعالى:" إنا لما طغى
الماء" يريد والله أعلم خروجه عن المقدار. وطغى البحر هاجت أمواجه.
أهـ رحمه
الله.
وكل التعريفات اللغوية تدور حول مجاوزة الحد وكل من تجاوز حده فقد
طغى. قال تعالى:" اذهبا إلى فرعون إنه طغى" وقال ربنا سبحانه لنبيه
صلى الله عليه
وسلم وللمؤمنين:" فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا" وقال
سبحانه:" كلا إن
الإنسان ليطغى إن رآه استغنى".
وأما الكفر فكما قال ابن فارس وغيره هو في
أصل اللغة: الستر والتغطية ثم استعمل في الجحود والجحود متضمن
لتغطية مع رفض وإباء.
ومنه قول الكفار:" إنا بكل كافرون" أي جاحدون رافضون.
وقبل أن أدخل في
التعريف الاصطلاحي أحب أن أورد الآيات التي ذكر فيها الطاغوت مع
كلام يسير على معنى
الطاغوت في كل منها ثم أتبع ذلك بشيء مما ورد في السنة النبوية حتى
يتبين بذلك
المعنى الاصطلاحي لهذا المصطلح العظيم.
قال الله تعالى:" الله ولي الذين
آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت
يخرجونهم من
النور إلى الظلمات" الطاغوت هنا أئمة الكفر وشياطين الضلال يأمرونهم
ويزينون لهم
الكفر ومحاربة الحق والصد عن سبيل الله تعالى فيخرجونهم من النور
الذي هو فطرة الله
التي فطر الناس عليها ومن طريق الحق والهدى إلى ظلمات الشك والحيرة
والكفر
والنفاق.
وقال تعالى:" ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون
بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا
سبيلاً"
هذه
الآية نزلت في بعض زعماء اليهود حينما فضلوا دين المشركين على ما
جاء به خاتم
المرسلين صلى الله عليه وسلم, فهم أي اليهود حيي بن أخطب وكعب بن
الأشرف وغيرهما
أوتوا نصيباً من علم الكتاب وهو التوراة ولكن لم ينفعهم علمهم
فآمنوا بما كان الفرض
والواجب أن يكفروا به من الجبت والطاغوت وكذبوا على الله ففضلوا
الوثنية على
التوحيد حقداً وحسداً واستكباراً والجبت قيل هو السحر, والطاغوت
الشيطان. وهذا
تفسير أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسيأتي إن شاء الله
تعالى وقيل:
الطاغوت هو الكاهن.
وقال الله تعالى:" ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا
بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد
أمروا أن
يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً وإذا قيل لهم
تعالوا إلى ما أنزل
الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً " الطاغوت هنا:
كل من يحكم بغير
ما أنزل الله من كاهن أو زعيم قبيلة أو برلمان أو محكمة غير شرعية
أو هيئة دولية أو
غير ذلك. وإنما ذكر العلماء الكاهن لأن العرب في جاهليتها قبل
الإسلام كانت تتحاكم
إلى الكهان, وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد بيان لمعنى هذه الآية
العظيمة إن شاء
الله تعالى.
وقال الله سبحانه:" الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين
كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد
الشيطان كان ضعيفاً"
الطاغوت هنا الشيطان, فالمؤمنون يقاتلون في طاعة الله ورضوانه
لإعلاء كلمته
ولتحكيم شرعه أما الكافرون والمنافقون فإنهم يقاتلون في طاعة
الشيطان وفي سبيله وما
يوقعه في قلوب الناس فيتقاتلون عليه من طلب الفقر والعلو في الأرض
والغلبة بالباطل
وإذلال الغير وسلب أموال الناس والاعتزاز بالعصبيات والقوميات.
وقال الله
تعالى عن اليهود:" قل هل أنبئكم بشرٍ من ذلك مثوبة عند الله من لعنه
الله وغضب عليه
وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكاناً وأضل عن
سواء السبيل".
الطاغوت هنا: هو الشيطان أو الكهنة, وكهنة اليهود هم أحبارهم
وزعماؤهم والمراد أنهم
عبدوهم فأطاعوهم في التحليل والتحريم من دون الله تعالى.
ولاحظ أن كثيراً من
الآيات قد نزلت في اليهود وذلك لأن اليهود قد عتوا عن أمر الله
تعالى وانحرفوا عما
جاءت به الرسل فتحاكموا إلى الطواغيت الذين يحكمون بالأهواء وبما
شرعوه لأنفسهم.
وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في هذه الآية قراءة:" وعبد
الطاغوت"
بالإضافة على أن المعنى خدام الطاغوت وعبيده.
وقال تعالى:" ولقد بعثنا في كل
أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" وقال سبحانه:" والذين
اجتنبوا الطاغوت
أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى" فالطاغوت هنا: كل ما عُبد
من دون الله
تعالى فإن كان المعبود صالحاً فالطاغوت الشيطان الآمر بالعبادة
المزينها
للكافرين.
أيها الإخوة, ومن هنا تتبين لنا معاني الطاغوت في كتاب الله تعالى
وهي تنحصر فيما يلي:
الأول: ما يُعبد من دون الله تعالى سواء كان هذا المعبود
صنماً أو قبراً أو عبداً صالحاً أو جناً أو غير ذلك.
الثاني: من يحكم بغير ما
أنزل الله سبحانه, سواء كان هذا الحاكم هو الكاهن أو كان هو الزعماء
أو كان هو
العلماء والأحبار والرهبان أو كان غير ذلك.(1)
الثالث: الشيطان وكل من دعا إلى
معصية الله من أئمة الضلال.
الرابع: الكاهن ونحوه ممن يدعي علم
الغيب.
الخامس: من يحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله ويشرع ما لم يأذن به
الله
ويطاع في معصية الله تبارك وتعالى.
أما السنة فقد ذكر الطواغيت في مواضع
كثير منها:
ما روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الناس
قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال: هل تمارون في
القمر ليلة البدر
ليس دونه سحاب ؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فهل تمارون في الشمس
ليس دونها سحاب
؟ قالوا: لا. قال: فإنكم ترونه كذلك. يُحشر الناس يوم القيامة فيقول
من كان يعبد
شيئاً فليتبع فمنهم من يتبع الشمس ومنهم من يتبع القمر ومنهم من
يتبع الطواغيت...
إلى آخر الحديث. والطواغيت هنا ما عبد من دون الله تعالى سواء كان
ذلك من الجمادات
أو كان ذلك من رؤوس الضلال.
وقال صلى الله عليه وسلم:" لا تحلفوا بالطواغيت
ولا بآبائكم" رواه مسلم والنسائي وابن ماجة. ولفظ مسلم:" لا تحلفوا
بالطواغيت" على
الترخيم. والمراد بالطواغيت هنا الأصنام التي كانوا يعظمونها
فيحلفون بها مثل العزى
واللات ومناة وغيرها.
أيها الأحبة, وبعد أن أوردنا بعض النصوص من كتاب الله
تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم التي تبين معنى الطاغوت وتوضحه.
أورد معناه ثم
أورد تعريفه اصطلاحاً مختصراً من كلام أهل العلم.
ذكر الإمام البخاري في
صحيحه أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:" الجبت
السحر والطاغوت
الشيطان " قال الحافظ ابن كثير: وهو قول قوي جداً فإنه يشمل كل ما
عليه أهل
الجاهلية من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها.
وقال جابر بن
عبدالله الأنصاري رضي الله عنهما رواه عنه البخاري في صحيحه معلقاً
كانت الطواغيت
التي يتحاكمون إليها في جهينة واحد وفي أسلم واحد وفي كل حي واحد
كهان ينزل عليهم
الشيطان.
وذكر البخاري أيضاً عن عكرمة مولى ابن عباس أنه قال: الطاغوت الكاهن.
وروى الإمام الطبري عن مجاهد قال: الطاغوت شيطان في صورة إنسان
يتحاكمون إليه وقال
ابن عباس: الطاغوت كعب بن الأشرف وهو رجل من اليهود.
واختار الإمام الطبري
رحمه الله أن الطاغوت جنس من كان يعبد من دون الله سواء كان صنماً
أو شيطاناً أو
جنياً أو آدمياً فيدخل فيه الساحر والكاهن قال الطبري: الصواب عندي
أنه كل طاغ طغى
على الله يعبد من دونه إما بقهر منه لمن عبد وإما بطاعة ممن عبد
إنساناً كان أو
شيطاناً أو حيواناً أو جماداً. وقال الجوهري: الطاغوت الكاهن
والشيطان وكل رأس في
الضلال.
وقد جمع الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى ما قيل في معنى الطاغوت
فعرفه بقوله:" هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو
مطاع " ومراده
رحمه الله تعالى أن الطاغوت كل ما ارتفع عن قدره الذي ينبغي له في
الشرع وادعى
لنفسه من الحقوق ما ليس له. " من معبود أو متبوع أو مطاع " أي من
غير الصالحين لأن
الصالحين لا يرضون بهذا. فكل من رفع نفسه إلى مرتبة الإلوهية أو
رفعه الناس إلى ذلك
فرضي فهو طاغوت وإذا كان يدعي ذلك فجرمه أعظم.(1)
وكل متبوع من العلماء
تجاوز حده وحده إتباع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا تجاوز حده
بالتحليل والحريم من
دون الله تعالى يعني أن يحلل ما حرمه الله أو يحرم ما أحله الله في
كتابه أو على
لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أو دعا إلى بدعة أو زين المعصية فهو
طاغوت وكل مطاع
ممن له سلطة تجاوز حده وحده تنفيذ شرع الله تعالى والأمر بطاعة الله
وطاعة رسوله
وسياسة الدنيا بالدين فإذا تجاوز حده فأمر بمعصية الله تعالى أو شرع
للناس قوانين
تحكمهم ويلزمهم بها مخالفة لما جاء بها المصطفى الكريم صلى الله
عليه وسلم فهو إذاً
طاغوت.(2)
أيها الإخوة, وإذا تبين لما معنى الطاغوت فليعلم كل مسلم ومسلمة
على وجه الأرض أن الكفر بالطاغوت هو شطر شهادة أن لا إله إلا الله
والإيمان بالله
هو الشطر الثاني يعني أن لا إله إلا الله تدل على أمرين:
الأول: أن الله تعالى
هو المعبود بحق وحده سبحانه ولا يستحق العبادة سواه.
الثاني: أن الكفر بكل معبود
دون الله تعالى فرض وواجب.
ولذلك فإن العلم بـ لا إله إلا الله المأمور به في
قوله تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله يعني إذاً أنه لا بد من
معرفة الطاغوت لكي
نكفر به.
اعلم رحمك الله أن فرض معرفة شهادة أن لا إله إلا الله, قبل فرض
الصلاة
والصوم فيجب على العبد أن يبحث عن معنى ذلك أعظم من وجوب بحثه عن
الصلاة والصوم
وحرم الشرك والإيمان بالطاغوت أعظم من تحريم نكاح الأمهات والعمات.
وقال أيضاً رحمه
الله في الأصول الثلاثة مبيناً أن الكفر بالطاغوت فرض على كل الأمم
ودعا إليه كل
الرسل قال رحمه الله:" وكل أمة بعث الله إليها رسولاً من نوح إلى
محمد صلى الله
عليهم وسلم أجمعين يأمرهم بعبادة الله وحده وينهاهم عن عبادة
الطاغوت والدليل قوله
تعال:" ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا
الطاغوت".
أيها
الأحبة, فالكفر بالطاغوت إذاً شرط الإسلام وركن الشهادة فمن لم يكفر
بالطاغوت فليس
بمسلم, كما قال صلى الله عليه وسلم:" من قال لا إله إلا الله وكفر
بما يعبد من دون
الله - وهو الطاغوت - حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل" رواه
الإمام مسلم في
صحيحه.
ولذلك فإنه معرفة الطاغوت ومعرفة أنواع الطواغيت خاصة ما ابتلي به
المسلمون في هذا العصر من أعظم ما يجب على المسلم, وقد قال أمير
المؤمنين عمر بن
الخطاب المحدث الملهم رضي الله عنه:" قال: إنما تنقض عرى الإسلام
عروة عروة إذا نشأ
في الإسلام من لم يعرف الجاهلية" والمعنى أنه قد يحمله جهله بحقيقة
الإسلام وجهله
بحقيقة الجاهلية على اعتناق مبادئ جاهلية ورفض بعض مبادئ الإسلام
وقد يتطور الأمر
إلى أعظم من ذلك فيحارب بعض مبادئ الإسلام وينصر بعض مبادئ الجاهلية
وهذا قد حصل
بالفعل.
وإنما ابتلي المسلمون بالطواغيت في هذا العصر حينما جهلوا حقيقة
دينهم
وحينما جهلوا حقيقة ما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم بل
وجهلوا حقيقة لا
إله إلا الله وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما:" كان الناس
يسألون رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسله عن الشر مخافة أن يدركني "
وما أحسن ما قال
الشاعر:
عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لم يعرف الشر من الخير يقع
فيه
وإذا تبينت أهمية الموضوع, فليعلم كل مسلم أن علماء الإسلام رحمهم
الله
تعالى قد اعتنوا ببيان معنى الطاغوت وكشف حقيقته والتحذير منه نصحاً
للأمة وبراءة
للذمة. والبيان بشيء إنما يكون كما هو معلوم حسب الحاجة فكلما
انتشرت الفتنة بنوع
من أنواع الطواغيت هيَّأ الله تعالى من أهل العلم من يتصدى لها
حفظاً
للذين(2)ومصداقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لا تزال
طائفة من أمتي ظاهرة
على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من ناوأهم حتى يأتي أمر الله
وهم على ذلك"
ومصداق لقوله صلى الله عليه وسلم:" إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس
كل مائة سنة من
يجدد لها أمر دينها" وكلما كان العالم معتقداً بعقيدة السلف الصالح
التي كان عليها
النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكلما كان راسخاً في العلم وكلما
كان عالماً
بواقعه وبحال عصره كلما كان اهتمامه بهذا الأصل العظيم أعظم وكلما
كان عنايته به
أكبر.
فلما ظهرت الطواغيت في بلاد المسلمين قبل زمان شيخ الإسلام ابن
تيمية رحمه
الله كان كثير من الأمور التي اهتم بها واعتنى بها وركز جهوده على
بيانها هي أمور
الطواغيت ومن ذلك أنه تكلم كثيراً عن عبادة غير الله تعالى
والاستغاثة بغير الله في
كثير من كتبه ولما وجد تحكيم غير الشريعة عند التتار وجد التحاكم
إلى عادات الآباء
والأجداد عند بعض البادية ووجد الانحراف عن الكتاب والسنة إلى ما
يسمونها بالسياسات
عند بعض المتفقهة حذر من ذلك أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
تعالى وكذلك
تلاميذه كابن القيم وابن كثير وغيرهما رحمهم الله تعالى.
ثم لما ابتلي المسلمون بالعلمانية الكافرة
وبالقوانين الجاهلية الطاغوتية المستوردة من أوروبا النصرانية
الكافرة أظهر الله
تعالى لهذه الأمة من يتصدى لها ويبين شرها وأنها نقض صريح لأصل دين
الإسلام وهو
شهادة أن لا إله إلا الله وأنها هي الطاغوت الذي وجب على المسلمين
أن يكفروا
به.
أيها الأحبة,
ولقد كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى على علم بالطاغوت وأنواعه
ولذلك قل فيهم
الانحراف عن الصراط المستقيم, وإنما ينشأ الانحراف عن الصراط
المستقيم إذا جُهلت
حقيقة الدين ولذلك لما تغيرت حال الأمة بعد القرون الثلاثة المفضلة
وقويت البدعة
ظهر الجهل بالطاغوت.
إخوة الإسلام, ولقد كان للمتكلمين من المعتزلة
والأشعرية والماتريدية وغيرهم وكذلك كان للمرجئة أسوأ الأثر على
الأمة الإسلامية في
تعكير صفاء العقيدة وفي إفساد فطرتها وحرفها عن الجادة مما أدى إلى
الجهل بحقيقة ما
بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وهو التوحيد المشتمل على ركنين
عظيمين أولهما:
الإيمان بالله وحده لا شريك له. وثانيهما: الكفر بالطاغوت.
لقد كان أثر
المتكلمين سيئاً فإنهم فسروا معنى لا إله إلا الله بتوحيد الربوبية
فقط فقالوا
معناها أن الله هو الخالق وأنه لا قادر على الاختراع إلا الله,
فعندهم أن من آمن
بهذا وهو أن الله تعالى هو الخالق وهو الرازق وغير ذلك من أفعال
الرب سبحانه فهو
الموحد الكامل التوحيد ! فهذا هو التوحيد عندهم وعلى هذا الأصل فإنه
أبا جهل وأبا
لهب يكونان من الموحدين لأنهما ما كانا ينكران أن الله هو الخالق
وهو الرازق " ولئن
سألتهم من خلقهم ليقولن الله " إنما كان شرك أبي جهل وشرك أبي لهب
في توحيد
الإلوهية وهو إخلاص الله تعالى بالعبادة, حين ذلك انحرفت الأمة أعني
بعد أن ظهر
هؤلاء المتكلمون وانتشروا في عرض بلاد الإسلام وطولها فانحرفت الأمة
في معنى لا إله
إلا الله فأدى ذلك إلى عبادة القبور وهي من الطواغيت وأدى ذلك إلى
صرف كثير من
أنواع العبادة للكهان و السحرة والمنجمين والأولياء والصالحين
وغيرهم وهذا هو
الطاغوت, وأدى ذلك إلى التساهل بالتحاكم إلى غير شريعة الله تعالى
لأن ذلك عندهم
أمر عملي.
أما المرجئة فإنهم من أشد الناس تأثيراً على المسلمين وقد أفسدوا
عقائد المسلمين وأفسدوا أعمالهم وأفسدوا أخلاقهم وسلوكهم.
إن الإرجاء يعني
أن الإيمان هو التصديق بالقلب بصحة ما جاء به رسول الله صلى الله
عليه وسلم ! ومعنى
هذا أن أبا طالب كان مؤمناً لأنه كان يصدق بأن رسول الله صلى الله
عليه وسلم على حق
وأنه صادق ولكنه أبى إتباعه وأبى طاعته وكان آخر ما قال عند وفاته:
هو على ملة عبد
المطلب.
إن أبا طالب هو الذي قال في أبيات له:
ولقد علمت بأن دين محمد من خير
أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك
مبيناً
فإذاً هو يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان صادقاً وهكذا كان
كفار قريش يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق لما قال
ولكنهم أبوا
واستكبروا عن طاعته فكانوا بذلك كافرين.
إذاً إن المرجئة قد جعلوا الأعمال
شيئاً خارجاً عن الإيمان فمن صدق بقلبه فهو عندهم مسلم حتى ولو لم
يقر بلسانه ولو
لم يعمل شيئاً من أمور الإسلام. وبذلك وجد الحكم بغير ما أنزل الله
في معظم بلاد
المسلمين وسكت علماء المرجئة فعندهم أن ذلك لا يتعارض مع مسمى
الإيمان وذلك والله
انحراف عن الحق وانحراف عن منهج أهل السنة والجماعة الذي هو طريق
رسول الله صلى
الله عليه وسلم.
كل ذلك أيها الأحبة أدى إلى خفاء نواقض الإسلام وإلى خفاء
موجبات الردة عند كثير من المسلمين مما أدى إلى انتشار الحكم
بالطاغوت وانتشار
عبادة الطاغوت في بلاد المسلمين وهم يظنون أنهم ما زالوا على
الإسلام وأنهم يحسنون
صنعاً.
أيها الأحبة, ولقد بلغت عناية السلف الصالح بهذا الأصل العظيم أن
ينصوا في وصاياهم على الكفر بالطاغوت روى الإمام أبو محمد الدارمي
رحمه الله تعالى
في سننه عن مكحول حينما أوصى:" أنه شهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له وأن
محمداً عبده ورسوله ويؤمن بالله ويكفر بالطاغوت على ذلك يحيى إن شاء
الله ويموت
ويبعث إلى آخر وصيته" فأنت ترى أيها المسلم أن هذا الإمام الجليل قد
نص في وصيته
على كفره بالطاغوت وذلك لأنه يعلم أن الكفر بالطاغوت شرط للإسلام.
أيها
الأحبة الكرام, هذه أهم رؤوس الطواغيت ولنتحدث عنها واحداً واحداً.
حتى يتضح للمسلم
أنه يجب عليه أن يكفر بهذه الرؤوس التي انتشرت وكثرت في هذا الزمان
نسأل الله تعالى
لجميع المسلمين العافية.
أول رؤوس الطواغيت الشيطان:
والشيطان يشمل إبليس
ويشمل أعوانه من شياطين الجن والإنس الذين هم أعداء الرسل, على
الرسل الصلاة
والسلام. وهم أعداء أتباع الرسل وهم الذين يدعون إلى الضلالة ويصدون
عن سبيل الله
ويدخل في ذلك العلمانيون والقوميون والمنافقون وغيرهم من أصناف
المرتدين عن دين
الإسلام.
قال الله تعالى:" وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي
بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما
يفترون ولتصغي إليه
أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون".
وقال الله
تعالى عن فرعون وملئه:" وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة
لا ينصرون
وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين".
أيها الأحبة, إن
كل من دعا إلى مذهب مادي يعارض به الإسلام فهو طاغوت وكل من طعن في
الإسلام وتنقص
الشريعة واستهزأ بها سواء كان ذلك في مقالة أو كان ذلك في كتاب أو
كان ذلك في
مسلسلة أو كان ذلك في مسرحية أو كان ذلك في مجلس خاص أو عام مازحاً
أو جاداً فهو
طاغوت كافر.
وكل من ألف كتاباً أو نشر مقالة أو فسح أجهزة الإعلام لشن حملة
مسعورة على الإسلام وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آيات
الله تعالى فهو
طاغوت وإمام في الضلالة وكل من حارب الإسلام بأي وسيلة وكل من صد عن
سبيل الله
بلسانه أو بفعله أو بماله فهو طاغوت وهو شيطان مارد من شياطين الإنس
أو شياطين
الجن. يجب على المسلمين إذاً بغضه والبراءة منه والكفر به ومعاداته
في الله تعالى
ومحاربته إن استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
وثاني رؤوس الطواغيت:
الذي يُعبد من
دون الله وهو راض سواء عبد في حياته أو عُبد في مماته إن كان يرضى
بذلك. ويدخل في
هذا أئمة المتصوفة وغلاتهم الذين يُعبدون من دون الله تعالى ويسكتون
على ذلك بل
ويرشدون مريديهم وأتباعهم إلى الاستغاثة بهم والاستنجاد بهم والطواف
على قبورهم
والمجيء إليها.
ويدخل في ذلك أيضاً المشرعون لما يخالف دين الله تعالى من أعضاء
البرلمانات أو من الحكام الظلمة الذين يسنون شرائع تخالف كتاب الله
تعالى وسنة نبيه
صلى الله عليه وسلم فهؤلاء يدعون إلى عبادة أنفسهم حينما يعطون
أنفسهم شيئاً من
خصائص الربوبية وهو التشريع " إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا
إلا إياه " ويلحق
في ذلك من دعا إلى عبادة نفسه فهو أيضاً من رؤوس الطواغيت وإن لم
يُعبد. ومن هؤلاء
من يدعو إلى الغلو ومن يقره سواء كان الغلو في الأموات أو كان في
الأحياء وهذا
كمشايخ الضلال وروي عن بعضهم انه أرشد أتباعه بأن من كانت له حاجة
أن يأتي إلى قبره
ويستغيث به وهذا كفرعون الذين قال لقومه:" يا أيها الملأ ما علمت
لكم من إله
غيري".
والرأس الثالث من رؤوس الطواغيت: من ادعى شيئاً من علم الغيب وذلك
أيها
المسلمون كالمنجم والساحر والكاهن والرمال والعراف ونحوهم ممن ينصب
نفسه للإخبار عن
المغيبات المستقبلية. فهؤلاء طواغيت والغيب أيها الأحبة نوعان:
غيب الواقع: وهو
غيب نسبي يكون لشخص معلوماً ويكون عند آخر مجهولاً.
غيب المستقبل: وهذا غيب
حقيقي لا يعلمه إلا الله تعالى أو من أطلعه الله عليه من الرسل, فمن
ادعى علم هذا
الغيب المستقبلي فهو كافر مكذب لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه
وسلم. قال الله
تعالى:" قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما
يشعرون أيان يبعثون"
وقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهو خير البشر :" قل
لا أقول لكم
عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا
ما يوحى
إلي"
ولذلك أيها الأحبة, ليحذر المسلم من التعامل مع من يدعي علم الغيب
فإنه إن
صدقه في دعواه علم الغيب كان كافراً بالله تعالى.
وقد كثر الابتلاء في هذا
الزمان بالذهاب للسحرة والمشعوذين للعلاج وغيره. وما علموا أن السحر
كفر وأن الساحر
كافر حيث لا يستطيع ممارسة السحر إلا بالشرك وبتقديم بعض العبادات
للشياطين. قال
الله تعالى:" واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر
سليمان ولكن
الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببال هاروت
وماروت وما
يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر" كما ابتلي الناس
بالذهاب إلى
العرافين والمنجمين الذين يدعون علم الغيب ليخبروهم بالحوادث
المستقبلية ويخبروهم
بالحظ والنصيب وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:" من
أتى عرافاً فسأله
عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً" رواه مسلم.
وقال أيضاً صلى الله عليه
وسلم:" ومن أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل
على محمد" وهو
حديث صحيح رواه أحمد والحاكم والبيهقي وغيرهم.
أما التنجيم فهو نوع من السحر.
قال صلى الله عليه وسلم:" من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة
من السحر زاد ما
زاد" رواه أبو داود بإسناد صحيح صححه النووي وغيره.
ومن التنجيم ما تنشره بعض
المجلات التي تصدر في لندن أو باريس من الحديث عن مستقبل المواليد
بالبروج الشمسية
المختلفة ومن غير ذلك. كل هؤلاء أيها الأحبة من رؤوس الطواغيت ويلحق
بهم الذين
يزعمون تحضير الأرواح والذين يقومون بقراءة الكف أو قراءة الفنجان
أو غيرهم ممن
يدعون به علم المغيبات مهما كان الاسم.
فهؤلاء من رؤوس الطواغيت يجب الكفر بهم
ويجب بغضهم ويجب البراءة منهم وتجب معاداتهم.
وإتباعهم والذهاب إليهم جاهلية
محضة وطريقة منحطة سافلة لأنهم لا يقولون إلا بالخرافات وهي نوع من
الارتكاس البشري
وفي هذا الزمان بدأت البشرية تعود إلى الارتكاس الذي كان عليه أهل
الجاهلية الأولى.
فكثير اليوم يذهبون إلى المشعوذين والسحرة حتى بلغ الأمر ببعض زعماء
الغرب الكافر
الذين فتن بهم بعض الناس وبما وصلوا إليه من صناعة بلغ بهم الأمر
أنهم يرجعون إلى
السحرة والساحرات والكهنة والكاهنات ليخبروهم بحوادث المستقبل
وليأمروهم بماذا
يفعلون.
أيها الأحبة, أما الرأس الرابع والرأس الخامس من رؤوس الطواغيت
فإنهما
الحاكم الجائر المغير لأحكام الله ومن حكم بغير ما أنزل الله تعالى.
إخوة
الإسلام, إن الأمة الإسلامية لم تبتلَ في عصر من أعصارها بمثل ما
ابتليت به هذا
اليوم, إنه منذ أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى ما قبل
قرنين من الزمان,
كان المسلمون يحكمون بشريعة الله تعالى, إنما جاءت فترة قصيرة حكم
بها التتار
بالياسق الذي اختلقه وابتدعه جنكيز خان.
هذا الياسق أخذه جنكيز خان من الإسلام
ومن النصرانية ومن اليهودية ومن عادات آبائه وأجداده. وحكّمه أحفاده
من بعده في
البلدان التي يسكنها المسلمون مما افتتحه التتار واستولوا عليها.
تلك فترة قصيرة لم
تؤثر في المسلمين سرعان ما تغيرت الحال فهزم الله تعالى التتار
والمسلمون متمسكون
بإسلامهم يعلمون أن التتار على باطل, وسرعان أيضاً ما تراجعت ثورة
التتار وتراجعت
جيوشهم ثم بعد ذلك بقليل دخل التتار في الإسلام فأصبحوا من جنوده
وفتحوا كثيراً من
بلدان روسيا المعروفة الآن.
ومع ذلك تصدى علماء الإسلام لبيان هذا الياسق ولبيان
خطورته في ذلك الزمن وعلى رأس من تصدى لذلك إمام المسلمين في زمانه
شيخ الإسلام
رحمة الله على العباد أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى إنه ذلك
العالم الفذ
الذي واجه التتار مواجهة صريحة وحينما تشكك بعض المتفقهين المنتسبين
إلى العلم في
حال التتار حيث كان بعض ملوكهم يزعمون الإسلام ومعهم مؤذن ومعهم قاض
ومعهم مفتي
ولكنهم يحكمون بالياسق ذلك حينما تشكك بعض الناس في شرعية قتالهم
حينما غزوا الشام
وانطلقت الجيوش الإسلامية لقتالهم قال شيخ الإسلام كلمته المشهورة:"
إن رأيتموني في
ذلك الجانب - يعني في جانب التتار - وعلى رأسي مصحف فاقتلوني" وأصدر
فتاواه الكثيرة
المتعددة في حال هؤلاء التتار وأن من خرج على شريعة واحدة من شرائع
الإسلام
المعلومة من الدين بالضرورة المتواترة فإنه يجب قتاله حتى ولو كانت
واحدة كما قاتل
الصحابة رضي الله تعالى عنهم من أبى ورفض أداء الزكاة. وفتاوى شيخ
الإسلام في هذا
موجودة في المجلد الثامن والعشرين من مجموع الفتاوى في النصف الثاني
من هذا المجلد
فليرجع لها من شاء.
ثم إن تلميذه الإمام العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى قد نص
في تفسيره في سورة المائدة على أن التحاكم إلى هذا الياسق كفر أكبر
مخرج من الإسلام
فمن تحاكم إليه وجب قتاله حتى يرجع للكتاب والسنة فلا يحكم سواهما
في قليل ولا
كثير.
وسأقرأ فتوى ابن كثير إن شاء الله تعالى حينما أورد فتوى العلامة
الجليل
الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى.
بعد ذلك مضت الأمة تحكم بشريعة الإسلام
حتى جاء الكافرون, جاء الصليبيون النصارى من الإنجليز والفرنسيين
والإيطاليين
وغيرهم فحكموا معظم بلاد المسلمين ولما حكموا بلاد المسلمين سعوا
سعياً حثيثاً
ولكنه أيضاً صارم من أجل إخراج الشريعة الإسلامية عن حكم المسلمين.
وفعلوا ذلك
بطريق التدريج حتى نجحوا في ما أرادوا ولقد كان هذا في تركيا منذ ما
يقرب من مائة
وخمسين سنة ثم دخلت القوانين الجاهلية إلى مصر أيضاً منذ وقت بعيد
في بدايات النصف
الثاني من القرن التاسع عشر أي مما يقارب مائة وأربعين سنة من الآن.
أيها الإخوة وإن من تدبر القرآن العظيم وتأمله ونظر في معاني ما
أنزل
الله تعالى على رسوله من الآيات سيجد أن الحكم بشريعة الله تعالى
ركن ركين وأصل
أصيل في توحيد الله سبحانه وأساس من أسس العقيدة وهذا مبثوث في
القرآن اقرأ سورة
النساء والمائدة والأنعام والنور وغيرها ستجد ذلك واضحاً.
يقول الإمام ابن القيم
رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين في منزلة الرضا قال:"
فالرضا بالله رباً
أن لا يتخذ رباً غير الله تعالى يسكن إلى تدبيره وينزل به حوائجه
قال تعالى:" قل
أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء" وقال في أول السورة وهي
الأنعام:" قل أغير الله
أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض" يعني معبوداً وناصراً ومعيناً
وملجئاً وهوة من
الموالاة التي تتضمن الحب والطاعة. وقال في وسطها أي في وسط سورة
الأنعام:" أفغير
الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً" أي أفغير الله
أبتغي من يحكم
بيني وبينكم فنتحاكم إليه فيما اختلفنا فيه وهذا كتابه سيد الحكام
فكيف نتحاكم إلى
غير كتابه وقد أنزله مفصلاً مبيناً كافياً شافياً.
ثم قال ابن القيم رحمه الله:"
وكثير من الناس يرضى بالله رباً لكن لا يرضى به ولياً وناصراً وحده
بل يوالي من
دونه أولياء ظناً منه أنهم يقربونهم إلى الله وكثير من الناس يبتغي
غيره حكماً
يتحاكم إليه ويخاصم إليه ويرضى بحكمه بينما أركان التوحيد ثلاثة:
ألا يتخذ سواه
رباً ولا إلهً ولا غيره حكماً".
أيها الأحبة, إن الحكم بغير ما أنزل الله تعالى على نوعين:
•
هناك حكم في
قضية معينة بين فلان وفلان يحكم بها القاضي وهو يعلم أنه مخطئ يعلم
أنه مذنب ولكنه
في كل أحواله يحكم بالشريعة فإذا حكم مرة أو مرتين أو نحوهما
اتباعاً للهوى وجار عن
الشريعة وهو يعلم أن مخطئ مذنب وليس مستحلاً فهذا يعتبر عاصياً وهذا
هو الذي قال
فيه ابن عباس وقال فيه غيره من أهل العلم كفر دون كفر. يعني أنه ليس
كفراً يخرج عن
الملة ولكنه ذنب عظيم هو أكبر من الكبائر كما قال الشيخ محمد بن
إبراهيم.
•
النوع الثاني: حكم بغير ما أنزل الله على عموم الأمة في كل الأحوال
كالتشريع العام
سواء كان هذا التشريع العام على شكل دستور يشمل كل مناحي الحياة أو
معظمها ما عدا
الأحوال الشخصية أو كان في جزئية من جزئيات الدين المعلومة من الدين
بالضرورة فهذا
كفر أكبر. فلو افترضنا على سبيل المثال أن حاكماً من الحكام شرع
للناس تشريعاً يقول
فيه: إنه يجب عليهم أن يساووا بين الذكر والأنثى في الميراث. فقط في
هذه الجزئية
وألزم المسلمين به بهذه الحالة يكون هذا العمل كفراً لأنه مناقضة
صريحة لحكم الله
تعالى في كتابه الكريم وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وهنا أيها الأحبة
جواب مطول للشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى وهو موجود في
الدرر السنية قال
بعد أن قدم بمقدمة عن الطاغوت وعن معناه وعن وجوب اجتنابه:" هذه
كلمات في بيان
الطاغوت ووجوب اجتنابه قال الله تعالى:" لا إكراه في الدين قد تبين
الرشد من الغي
فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام
لها والله سميع
عليم" فبين الله تعالى أن المستمسك بالعروة الوثقى هو الذي يكفر
بالطاغوت وقدم
الكفر به على الإيمان بالله لأنه قد يدعي المدعي أنه يؤمن بالله وهو
لا يجتنب
الطاغوت وتكون دعواه كاذبة. قال تعالى:" ولقد بعثنا في كل أمة
رسولاً أن اعبدوا
الله واجتنبوا الطاغوت فأخبر أن جميع المرسلين قد بعثوا باجتناب
الطاغوت, فمن لم
يجتنبه فهو مخالف لجميع المرسلين, قال تعالى:" والذين اجتنبوا
الطاغوت أن يعبدوها
وأنابوا إلى الله لهم البشرى" ففي هذه الآيات من الحجج على وجوب
اجتنابه وجوه كثيرة
والمراد من اجتنابه بغضه وعداوته بالقلب وسبه وتقبيحه باللسان
وإزالته باليد عند
القدرة ومفارقته فمن ادعى اجتناب الطاغوت ولم يفعل ذلك فما صدق.
وأما حقيقته - يعني
حقيقة الطاغوت - والمراد به فقد تعددت عبارات السلف عنه وأحسن ما
قيل فيه كلام ابن
القيم وذكر كلام ابن القيم السابق ثم قال رحمه الله تعالى وحاصله -
يعني حاصل كلام
ابن القيم – أن الطاغوت ثلاثة أنواع:
طاغوت حكم وطاغوت عبادة وطاغوت طاعة
ومتابعة والمقصود في هذه الورقة هو طاغوت الحكم فإن كثيراً من
الطوائف المنتسبين
إلى الإسلام قد صاروا يتحاكمون إلى عادات آبائهم ويسمون ذلك هذا
الحق بشرع الرفاقة
وهذه ربما ألفها من أجل وجود بعض البادية في زمانه كانوا يتحاكمون
إلى عادات آبائهم
وأجدادهم والشيخ رحمه الله توفي عام 1349 من الهجرة.
ثم قال:" وهذا هو الطاغوت بعينه - يعني التحاكم إلى غير الشريعة –
الذي
أمر الله باجتنابه وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاجه وابن كثير
في تفسيره أن من
فعل ذلك فهو كافر بالله. زاد ابن كثير:" يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم
الله ورسوله".
قال شيخ الإسلام - يعني في منهاج السنة وهو في جزء 5 صفحة 132 وما
قبلها وما بعدها
بقليل قال شيخ الإسلام:" ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما
أنزل الله على
رسوله فهو كافر ومن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من
غير إتباع لما
أنزل الله فهو كافر, فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل وقد
يكون العدل في
دينها ما رآه أكابرهم بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون
بعاداتهم التي لم
ينزلها الله كسوالف البوادي وكأوامر المطاعين في عشائرهم ويرون أن
هذا هو الذي
ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة وهذا هو الكفر فإن كثيراً من
الناس أسلموا ولكن
مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية التي يأمر بها المطاعون في
عشائرهم فهؤلاء
إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك
بل استحلوا أن
يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار.
إذاً شيخ الإسلام يريد أن يقول إن العلامة
على الإيمان هي الالتزام بالشريعة أما إذا لم يلتزموا فهي علامة على
استحلال الحكم
بغير ما أنزل الله وذلك لأن معرفة ما في القلوب أمر خاص بالله
سبحانه تعالى.
ثم من العجب أنك تجد في بعض القوانين يجعلون الشريعة مصدر من
مصادر التشريع يعني هي مصدر واحد من مصادر أخرى والمصادر ربما تكون
أكثر من عشرين
قانون جاهلي. على سبيل المثال: القانون المصري وهو قانون قد أخذه
كثير من الدول
العربية يجعل مصدره أكثر من عشرين قانوناً ما بين أوروبي من بولندا
شرقاً إلى فرنسا
غرباً في أوروبا ثم بل يتجاوز ذلك إلى دول أمريكا اللاتينية وإلى
غيرها. ثم انظر
يجعل هذا هو المصدر الأول والمصدر الثاني هو العرف ثم يجعل الشريعة
الإسلام هي
المصدر الثالث
!
أليس هذا هو تفضيل الأحكام القانونية الجاهلية التي جاءتنا من
اليهود والنصارى على حكم الله ؟ وإنك إذا رأيت على سبيل المثال
القانون المصري في
مسألة الزنا على سبيل المثال تجده يقول ما ملخصه: إذا زنا رجل
بامرأة وكانا بالغين
وكانا فوق السن القانونية المسموح بها وكان ذلك برضاهما وكان ذلك في
مكان ليس من
الأمكنة العامة فإن ذلك ليس فيه شيء.
أليس في هذا تعطيل لحكم شرعه الله تعالى ؟
أليس في هذا تحليل لأمر محرم معلوم من دين الإسلام بالضرورة ؟ إذاً
فليعلم كل مسلم
على وجه الأرض أن هذه القوانين كفر بواح وأنها يجب الكفر بها ويجب
العمل على
إزالتها ويجب على كل مسلم أن يتعاون مع إخوانه المسلمين في تغيير
هذه الحال إلى
تحكيم شريعة الله تعالى والرجوع عند التخاصم والتنازع وفي كل حال
إلى كتاب الله
سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
أيها المسلمون, وإنه أيضاً يجب الحذر من
دخول الحكم بغير ما أنزل الله إلى بلاد المسلمين ولو كان شيئاً
قليلاً مهما سمي
سواء سمي قانوناً أو سمي نظاماً أو سمي دستوراً أو سمي تشريعاً أو
غير ذلك. ليحذر
المسلمون أن يدخل عليهم بدون أن يعلموه. فإن ذلك شر عظيم ووبال جسيم
ومن فعله
متعمداً عالماً فإنه يكون كافراً فإن الحكم في هذه التشريعات واحد
ما دامت تناقض
الإسلام وما دامت تخالف ما هو معلوم من دين الإسلام بالضرورة.
وإنه يجب على المسلمين
أيضاً أن يحذروا من الاعتراف بأحكام الطواغيت ومن الإقرار بها ومن
الانضمام إليها
بأي اسم سميت وبأي أسلوب نشرت أو أعلنت أو ظهرت.
إن هذا من أصول الدين وإنه مما
أوجب الله تعالى على عباده المؤمنين وهو شطر شهادة أن لا إله إلا
الله فيجب على
المسلمين جميعاً أن يعلموا أن الإسلام يقو